محمد بن جرير الطبري

229

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فانصرف رسول كسرى إلى كسرى بهذه الرسالة ، فسارع إلى ما سأله مردان شاه ، وحلف بالايمان المغلظة ليجيبنه إلى ما هو سائله ، ما لم تكن مسألته امرا يوهن ملكه وارسل اليه بهذه الرسالة مع رئيس المزمزمين ، فأرسل اليه مردان شاه يسأله ان يأمر بضرب عنقه ليمتحى بذلك العار الذي لزمه ، فامر كسرى فضربت عنقه كراهة منه للحنث ، زعم . وان كسرى سال مهر هرمز بن مردان شاه ، حين دخل عليه عن اسمه ، وعن اسم أبيه ومرتبته فأخبره انه مهر هرمز بن مردان شاه ، فاذوسبان نيمروذ ، فقال كسرى : أنت ابن رجل شريف كثير الغناء ، قد كافاناه على طاعته إيانا ، ونصيحته لنا ، وغنائه عنا بغير ما كان يستحقه ، فشأنك وما أمرت به فضرب مهر هرمز على حبل عاتقه بطبرزين كان بيده ضربات فلم يحك فيه ، ففتش كسرى فوجد قد شد في عضده خرزه لا يحيك السيف في كل من تعلقها فنزعت من عضده ، ثم ضربه بعد ذلك مهر هرمز ضربه فهلك منها . وبلغ شيرويه فخرق جيبه وبكى منتحبا ، وامر بحمل جثته إلى الناووس فحملت ، وشيعها العظماء وافناء الناس . وامر فقتل قاتل كسرى ، وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنه ، وكان قتله ماه آذر روز ماه وقتل شيرويه سبعه عشر أخا له ذوى أدب وشجاعة ومروءة ، بمشوره وزيره فيروز ، وتحريض ابن ليزدين - والى عشور الآفاق كان لكسرى ، يقال له شمطا - إياه على قتلهم ، فابتلى بالأسقام ولم يلتذ بشيء من لذات الدنيا ، وكان هلاكه بدسكره الملك ، وكان مشئوما على آل ساسان ، فلما قتل اخوته جزع جزعا شديدا ويقال : انه لما كان اليوم الثاني من اليوم الذي قتلهم فيه ، دخلت عليه بوران وآزرميدخت أختاه فاسمعتاه واغلظتا له ، وقالتا : حملك الحرص على ملك لا يتم ، على قتل أبيك وجميع اخوتك ، وارتكبت المحارم ! فلما سمع ذلك منهما بكى بكاء شديدا ، ورمى بالتاج عن رأسه ، ولم يزل أيامه كلها مهموما مدنفا ويقال : انه اباد من قدر عليه من أهل بيته ، وان الطاعون فشا في أيامه حتى هلك الفرس الا قليلا منهم وكان ملكه ثمانية اشهر